- حكاية امي 1 } {
- امسك بيدها يلتجئ اليها ويلوذ بها ممسكا تارة بطرف ثوبها وتارة يلتصق برجلها فتنظر اليه بابتسامتها التي تشيع في نفسه الطمانينه والسكينه وتستمر تحث الخطى حتى تصل اعلى الجبل الذي كعادتها تحتطب منه فتعارك هناك حزمة كبيرة من الحطب لتضعها فوق راسها وتنجح اخيرا في حملها فتحار الشمس ايهما اقوى عليها تلك الكومة الكبيرة من الحطب ام حرارتها التي تكوي بها الجباه في قيظ تموز ولكن ام علي بقيت تكابد كعادة فلاحات القرية لا يعبان بكدهن وتعبهن فقط تستطيع ان ترى السعادة في عيون صغارها وتصل منهكة ينتفض قلبها المريض بعنف في صدرها ولكنها تستمر مولعة بعملها لتكمل مشوارها اليومي في حلب الشياه والبقرة التي اخذ صوتها يداعب اذن ام علي وبقيت على حالها حتى موعد قدوم ابو علي من الحقل مثقلا بفاسه واعمال يومه فحقله الممتد من اطراف القرية الى القرية المجاورة بقي رمز فخرة وعزته وانفته ودوما شعاره لانتمائه لوطنه لولا تهديد المستوطنة القريبة منه لشعر انه اسعد البشر .
- سكبت الحليب لصغارها وراحو يتضاحكون ببراءة الصغار وانزوت ام علي تروي لابي علي قصة مشوارها ومغامرتها المتعبة وصغيرها علي , اثنى عليها وواساها حتى بدا الظلام يعم القرية وينشر صمته على البشر مؤذنا بموعد النوم فاخذ الصغار موقعهم في الغرفة الى جانب والديهم فاكتظت االغرفة الوحيدة بهم ولكن شعور العائلة كان يضفي على المكان امنا رائعا يلجا اليه دوما الصغار لحكايات والديهم وكان الدور في الحكاية على الام ,
- كانت عيناها الخضراوان تلتمع في الظلام في ضوء الفانوس الخافت وهي تروي قصصها الساحرة وعلى محياها بقايا لمسة من جمال غابر كانت تتباهى به ككل نساء القرية ولكن مع زواجها واولادها غدت تلك الامر في نهاية سلم اولوياتها هذا ان وجدت وراحت تسترسل وتصف وتتقمص الادوار والصغار بلهفة يتطلعون الى نهاية القصة ولكن سرعان ما غلبها النوم لتلتحق بزوجها ومن ثم صغارها في نوم هادئ وعميق
- (2 )
- اخذت العائلة تغط في نوم عميق تستعد ليوم اخر شاق تخط فيه الشمس خطوطا عريضة تلون بسمرتها قصة كل من سكن هذه الارض وفي منتصف الليل اقلق حلم غريب منام الاب فقام وتوضا واخذ يتكئ براسه على يديه متاملا قمرا لم تغمض عيناه بعد ولم يتسلل النوم الى خلده فسكن في كبد السماء يواسي هؤلاء الناس يروي لهم الام الامم السابقة فيهون عليهم مصائبهم انتظر قليلا ابو علي واذ بتلك الزوجه تنضم لسهرة زوجها وكأن نومهما معا وحياتهما الطويلة جعلت كل منهما يشعر بالاخر دون كلام ولكنها بلمسة خفيفه على كتف زوجها قد القت عنه كل متاعب اليوم وهموم الدنيا فابتسم قائلا اوأفقت؟ قالت وكيف لي النوم وانت تتقلب كمن حمل هم الماضي والمستقبل ارتفعت ضحكته وهو يرى حلمه بيت يديه امراة يقلقها ويؤرقها ما يؤرقه وهمس مستسلما بعد حوار قصير قائلا نعم فالنوكل امرنا ومستقبل اطفالنا لله.
- استيقظت ام علي وصوت اذان الفجر يصدح في سماء القرية وتباشير الصباح بدات تنساب الى عروق الفلاحين بنسائهم ورجالهم وكعادته امتشق ابو على فاسه وساق بقرته وغنيماته الى حقله والصيف يملا الكون حياة فاليوم هو تجميع المحصول وتعبأته ومن ثم نقله الى مخزنه في البيت بل هي الكوخ المبني من الطين الملاصق لبيته وسارت دعوات ام علي التي اخمدت نيران طابونها لتخبز لزوجها رغيفا سخنا ياخذه معه وقد اغرقته بلتر من الزيت ولفته محتاطة بوعاء بلاستيكي واندفع ابو علي على بركة الله يسوق دوابه وهو يتمتم بادعيته الصباحية وحين وصل الى حقله عمد الى بقرته فربط ما بين قدميها حتى لاتبتعد بمرعاها بعيدا وترك حمارة وغنيماته قريبا منه واخذ يعبئ من التبن والقمح كل في الوعاء المخصص له حتى يمتلئ ويضعه جانبا وبقي على حاله تلك حتى قاربت الساعة الحادية عشرة واذ بزوجته الوفية وابنيه وبنته ذات العينان الزرقاوان تلوح له من بعيد فيبتسم ويمتلئ قلبه حبا وهناء لهذه الاسرة رغم عرقه الذي اخذ يبلل كل ما وهل اليه من ملابسه ووصلت اخيرا العايلة يتقدمها ابنته التي هرعت ترمي بنفسها في احضان ابيها الحانية واخذ يتحسس شعرها المتناثر ويرسم قبلته على وجنتيها فتزداد تالقا واحمرارا وتترك ابيها لتطارد الفراشات تلاحقها هنا وهناك ويتجاذب الاب والام اطراف الحديث وكم كان هذا اليوم رائعا وقد عبأ عشر شوالات من القمح طالبا من ابنه ان يوصل الحمل على حماره الى البيت .
- وكم كانت فرحة الصغير فهب الى الحمار يعتلي ظهره وكأنه يحارب طواحين الريح واندفع متجها الى بيتهم حيث يلقي بحمله ليعود راجعا ليكمل نقل بقية القمح وهكذا الى ان تم نقله كله وعادت العائلة تلم شعث يومها لتستريح من اجل عمل يوم جديد وراحت المراة تتلمس بقرتها مساء لتحلب لصغارها غبقا منه في صحن من الخبز وراح الصغار يتسابقون في مرح ايهم ينهي صحنه اولا وهكذا نامت عيونهم وايديهم ما زالت ممسكة بصحونهم .
- } 3 {
- سحب ابو علي نفسا من سيجارته التي استمتع في لفها من اوراق الدخان التي استنبتها امام بيته وراح ينتظر زوجته وهي تعد له الطعام كان يشعر كأنه يملك الدنيا فقوت بيته متوفر ومونة سنته موجود في الغرفة الطينيه المقابله وزيته قد ادخره هناك ايضا ودجاجاته قد اقبلن يزقزقن معلنة خروج بيضها وخبز ام على له رائحة تجعل اللعاب يسيل فكان ابناؤها يتسابقون على الارغفة التي تخرج اولا من الطابون وكان يلتم اولاد الحارة ليتشاركون هذا النعيم الذي دوما يشعر على انه محسود عليه .
- هكذا كانت حياة كل فلسطيني تشتاقه الارض ويشتاق لها يشعر انها امه وابيه بل يشعر انها انتماؤه الاول والاخير وفي يوم الجمعه بعد جمع الثمار وتخزينه تداعى الصحب من الاقارب والجيران ليقيموا سهرتهم عند احدهم وذهب ابو علي واخذ معه ابنه الصغير علي واخذ كبير القوم يحدثهم قصصا من ايام العرب مثل الزير سالم وراح يصور ويؤشر ويطعن وسافر بخيال الطفل بعيدا وامتدت عيناه ترسم على وجه القمر مسرح الاحداث تثمل مخيلته وترتوي وتغرق في صورها واحلامها فيكون له ما يشاء ان يكون يحارب وينتصر ويحزن ويفرح , كان قلبه الصغير يرفرف يمتطي صهوة الخيال ويعيش بقصته ويبقة هكذا حتى توقظه يد والده الحانيه قم يا بني فقد آن لنا ان نعود للبيت فالوقت قد تاخر ويعود الولد الصغير يمتطي رقبة والده وكلاهما لا زالا منتشيان باثر القصة وجمال صورها وشجاعة البطل وانتصاراته وكانه احد العائله وهكذا كانت كل جمعه ينتظرها الصغير على احر من الجمر ليرحل بخياله في عالم من اللذة والمتعه والاشواق والاحلام فكان دوره ان يكمل قصصه باحلامه على مدار الاسبوع يرويها لاخوته الصغار ويزيد من عنده ما يشاء.
- وكلما كبر الصغير زادت مسؤولياته ومشاركاته في تحمل اعباء العائله فبعد مدرسته التي كان يحبها لانها الطريق لتحقيق تلك الاحلام كما زرعت العائله كان يقود بقرته وغنيماته الى المرعى يتشارك بذلك مع اخيه الاصغر فيلعبان هناك يشاركهم الاولاد من عمرهم من ابناء القرية في الاعتناء بدوابهم الى ان توشك الشمس على المغيب وتعود بقرتهم ممتلئة الوفاض وغنماته قد شبعت فيشعر الصغار كأنهم هم من ياكلون وهم من يشعرون بالشبع فيصلا البيت وقد حضرت لهم امهم الرز والحليب او أي طعام كانت تعرف انهم يحبونه وياكلون حتى تمتلئ بطونهم ويحين موعد مراجعة الكتب المدرسيه والتي كان لزاما عليه ان يقوم بها فكان علي يرقد الى جانب فانوسه الصغير يكتب وظائفه ويحضر دروسه الى ان تتراخى يداه الصغيرتان عن قلمه المبري الصغير فيسقط من يده فتدره امه الحانيه لتاخذ بيده الى فراشه , وفي الصباح يلبس بنطاله الذي خاطته له امه بيدها فكان كانه وعاء وضع فيه طفل ولكن لا ضير فكل الصغار كانوا مثله ليس بينهم من يلبس احسن من الاخر واذا كان حظهم رائع ياتي البائع المتجول بشواله يحمل من البناطيل القديمه والجديده نسبيا يبيعهم اياها فيكون ذلك يوم عيد او مناسبة رسميه , ذهب الصغير الى مدرسته وقد حلق شعره ولم يبق منه شيئا كما وصاهم به مدير المدرسة يحمل كتبه في كيس قد خاطته له والدته من كيس القمح المتوفر عندهم وراح يسابق الريح منتشيا وهو يعلم ان اليوم سيسالهم معلمهم ومعه عصاه عن وظيفتهم وعما حفظوه من الدرس السابق , ارتسمت ابتسامة ثقة على محياه وهو يجيب فينظر الى اقرانه الذين كان بعضهم بنشاطه وحيويته وصفق الجميع لعلي وعاد يقفز الطريق قفزا ليخبر امه بما حصل معه وكيف صفق له الاولاد عندما ساله الاستاذ , فرحت الام واحتضنت ابنها وكانها قد حازت الدنيا كلها واخذت تعد ديباجة من الكلمات لترويها لزوجها العائد من حقله .
شاعرة
الأربعاء، 27 يوليو 2016
حكاية امي 1 } {بقلم القبطان البحار
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق