ملحوظة:
-ما اردت ان ابرزه من خلال هذه القصة، هو ان الجهل والقسوة المفرطة هما اقصر الطرق واسهلها للشيطان للسيطرة على النفوس والعقول لبلوغ اهدافه العظمى. فأرجو ملاحظة ذلك من خلال احداث هذه القصة، قبل حكمكم.
تحياتي
-ألشيطان كان هناك-(قصة قصيرة)
-1-
-في يوم بارد من ايام الشتاء الملهمة، ناداه والده بصوت لم يخل من تردد !. فأقبل نادر بخطوات متوجسة، وكأنه قد استشف ماهية الموضوع الذي من اجله قد ناداه والده !.
-وقف نادر أمام والده وجلا، مطرقا ببصره نحو ألأرض كعادته، فأشار اليه والده بالجلوس فجلس. وبعد لحظات لفها صمت وتوتر ،أبتدره والده قائلا:
-أنت تعلم يا ولدي أن والدتك رحمها الله قد مضى على رحيلها عنا عاما كاملا،وقد تركت فراغا لا يمكن لامرأة اخرى من كانت ان تملأه ! .غير ان البيت الذي لا توجد به امرأة ليس سوى قبر !. فكما ترى حال البؤس الذي نعيشه انا وأنت في هذا البيت، والعناء الذي تتكبده انت للعناية به ، ألأمر الذي أعاقك فعلا عن الالتفات المطلوب لدراستك ومستقبلك !.
-وأنا رجل قد قاربت الستين، ولى متطلبات خاصة، احسب انك الان تعيها فأنت لم تعد طفلا فقد قاربت السابعة عشرة.
، لذا فقد قررت الزواج مرغما كحل اخير نظرا للحاجة الملحة اليه. فأنت تعلم من حالنا ما تعلم !.
-وألان اعلم تماما انك تتساءل من هي المرأة التي سوف تشاركنا العيش في هذا المنزل؟. فإذا ما اردت ان تعرف من هي، فهي خالتك (راقية) جارتنا !!.
-انتفض نادر في مجلسه كالملسوع ،عند ذكر هذا الاسم بالذات !. فهو يعلم كل العلم من هي راقية هذه !!. عندئذ نظر الى والده بعينين يطرف رمشاها في
-2-
تسارع مستمر !. فقال موجها الحديث الى والده والكلمات تتداخل في بعضها من شدة الصدمة:
-انت تعلم يا ابي انني ان شئت ام ابيت لن امنعك عن قرار اتخذته، ولكنك تعلم ايضا مدى الحقد الذي تكنه هذه المخلوقة لي ولوالدتي، والذي يعلمه الجميع !. وإنني غير موافق على هذا الزواج، اذا ما اردت ان تعرف رأيي !.
-اعتدل ابو نادر في جلسته في عصبية ظاهرة، ورمق نادر بنظرة حملها كل قسوة، وقال له في لهجة حازمة وحاسمة:
-حسبك يا ولد ،انا لم استدعك هنا لأخذ موافقتك ، فقط اردتك ان تعلم فحسب !. فقرار زواجي من عدمه هو شأني وحدي ، ومن تكون زوجتي هو ايضا شأني وحدي !.
-أما قصة الحقد التي تتحدث عنها ،فهي محض اختلاقات حشت بها امك رأسك، فتخلص منها ان اردت ان تعيش في هذا البيت بسلام ، ولا اريد ان اسمعها منك مرة اخرى !.
-واعلم ايضا ان الزفاف معد له خلال اسبوع من الآن !. فأن شئت فأبقى، وألا فأذهب لزيارة جدتك في القرية وامكث معها ما تبقى من اجازتك المدرسية، والأمر يعود لك انتهى الموضوع ،عد الى حجرتك !!.
-انسحب نادر من امام والده مهرولا نحو حجرته، فأغلق على نفسه الباب واخذ يبكي بحرقة شديدة !. فهو يعلم كل العلم من هي راقية ، فهي ليست سوى شيطان في مسوح انسان !. فمذ اجبر جده والده على ترك الزواج من راقية، بسبب سوء خلقها وسمعتها، والزواج من والدته ، وهي لم تعتل منبرا إلا واكالت من فوقه
-3-
الوان الشتيمة والأذى والحقد لامه وله على مدار السنين !. وتيقن نادر انه ان قدر التمام لهذا الزوج ،فأن ابواب الجحيم سوف تفتح عليه ،فلا يجد من مدفع لخوفه وترقبه إلا دموعا حرى يسحها سحا !.
-في صبيحة هذا اليوم، وهو يوم الزفاف، الحركة دؤوبة في منزل والد نادر ،بين تنظيف المنزل وتبديل الاثاث القديم بأخر جديد، وهو احد شروط راقية، والهدف منه التخلص التام من أي اثر لأم نادر عدوتها اللدودة !. وكان هذا اليوم ايضا هو الموعد ذاته لمغادرة نادر للمنزل متوجها الى القرية للبقاء مع جدته اياما يتيح فيها للعروسين خلوة دون شريك !. فغادر والحزن يفت قلبه، والدموع رفيقة عينيه !.
-دخلت اخيرا راقية الى المنزل الذي قضت عمرها حالمة به. فابتسمت ابتسامة رضا وغرور !. فهي قد قررت اعتبارا من هذه اللحظة ،ان تحكم البيت وأهله بقبضة من نار، وهي قادرة على ذلك ولاشك !.
-ها هو نادر في منزل جدته، يقضي يومه وليلته بين دموع وشكوى وترقب،فتستوي الساعات في ناظريه ذاتها، لا يختلف يوم عن سابقه ولا ليلة عن أختها !. وكلما اقترب موعد عودته الى المنزل علته الهموم والوحشة، فلا يجد في غربة روحه غير دموع ودعاء وترقب محموم !.
-ودع نادر جدته، وحمل حقيبته وخرج ليستقل سيارة اجرة عائدا الى المنزل. وكم تمنى في قراره نفسه ان تستمر هذه الرحلة الى الأبد، او ان لا يعود منها سالما، فالموت مرة واحدة في نظره اهون بكثير من موت مكرر بقطرات مسمومة تجرعها له زوجة والده راقية !.
-4-
-وصل نادر اخيرا الى المنزل ،فوقف امام عتبته لحظات بقلب يرجف ويدان ترتعشان وجبين يتفصد عرقا باردا ، وراح يتمتم بأنفاس متوترة بعض الآيات القرآنية والأدعية، علها تنجيه مما سيجد ويحاذر داخل هذا المنزل !. ثم ادار مقبض الباب ،وما ان دخل حتى وجد نفسه وجها لوجه امام راقية !. وما ان وقع بصرها عليه حتى صاحت به في ثورة عارمة قائلة:
-تعلم ان تطرق الباب قبل ان تدخل -يا حيوان !!. ثم اكملت كلامها بنبرة قاسية قائلة:
-ماذا عاد بك يا ابن ...؟.لشد ما اكره وجهك القبيح الذي يذكرني بوجه والدتك البغيضة .ثم استطردت:
-لتكن على علم انني لن اكون راقية ان لم اخرجك من هذا المنزل ذليلا، والقي بك كالكلب في الشارع...(انقلع )عن وجهي !!!.
-هرول نادر مسرعا نحو حجرته، والقى بجسده المهدود فوق سريره، وراح يبكي بمرارة شديده، فقد تيقن ان مسلسل عذابه قد بدأ من هذه اللحظة !. فهو يعلم ان هذه الشريرة قادرة بقوة ان تنفذ ما تقول، فيتعالى عندئذ بكاءه ونحيبه !.
-راحت راقية تدير ببراعة المكائد وتحيكها ضد نادر !. فلم يكد يمر يوم إلا وهناك مكيدة جديدة !. فهي قد وجدت في اذن والدة مطية مريحة لها ،فما ان يسمع منها مكيدة ما ،إلا ويستشيط غضبا ،ويمضي مهرولا نحو حجرة نادر، فينزل به الضرب المبرح ،ويكيل له ولأمه الوان الشتائم !. بل قد تجاوز الامر مداه حين هدده بالرمي به خارج المنزل ان تكررت اساءاته لراقيه !.
-ضاق نادر بالحياة وضاقت به !. فها هو يمضي كل يومه داخل حجرته ،اسير هلع مريع ، بجفن دامع ولب شارد، وصدر مقبوض !. وراح عقله يلف ويدور في بحث محموم عن مخرج من هذه الكارثة التي حلت به !. فقد بات الشارع وبؤسه رفيق مخيلته ،يصحبه في صحوه ومنامه !. غير ان بحثه المحموم لم يفض الى نتيجة تريحه !.
-5-
-تكالبت الهموم على قلب نادر الغض،فهده الحزن والألم !. وفي خضم هذا البؤس المستطير ،فقد تمنى نادر في قرارة نفسه، أن لو كان(شيطانا)فيستطيع ان يدفع بلاء راقية عنه ويأمن شرها وأذاها ومكائدها ومكرها !!.
-بعض الامنيات قد لا يستجيب لها من في السماء فيحققها ، غير ان من في الارض يخف سريعا لتحقيقها ،بل اسرع مما قد نتصور !. ففي لحظات البؤس والشقاء التي هدت وطأتها نادر،فقد لمعت في مخيلته ألمرهقة فكرة كلمعة البرق في سماء ملبدة بالغيوم الثقال ،اهتز لها نادر ففز من جلسته فأستوى قائما في صحن الحجرة !. وراح يستعيد في مخيلته تلك الفكرة بسرعة مرارا وتكرارا، كمن يخشى ان تنفلت خيوطها منه !. وراح يرددها بلسان متلعثم وجسم مرتعش قائلا:
-لماذا لا استغل حلاوة وجهي، وجمال جسمي مع راقية ؟. فلطالما كانت هاتان الميزتان في مصدرا لحسد اقراني، ومطلبا من النساء بمختلف اعمارهن !. غير ان نادر قد وجد نفسه محصورا بين تيارين اثنين:
-احدهما يرى في هذه الفكرة اثما كبيرا وحرمة عظيمة ،والأخر يرى فيها ان نجحت مخرجا له وأمانا كبيرا من اذى راقية !. غير ان حيرته لم تطل به كثير ا،فقد غلب التيار الاخر ،معللا ذلك ان الله قد اباح لنا النطق بكلمة الكفر ان كان فيها ،ابقاء على النفس من الهلاك !. وان ما سيقدم عليه ما هو إلا محاولة مستميتة للإبقاء على نفسه من الهلاك الذي ترجوه له راقية !. عندئذ حزم امره وركن الى هذا المعنى وعزم على تنفيذ هذه الفكرة، مستغفرا ربه !.
-اهدت هذه الفكرة لنادر راحة يفتقدها منذ اشهر!. فقد ارتاحت نفسه ،وهدأت انفاسه، وجف دمعه !. فها هو يستعد براحة بالغه لنوم عميق هذه الليلة، اذا قد قرر ان صباح الغد سيكون موعدا لتنفيذ فكرته تلك ،فأن نجحت فهذا هو المطلوب
-6-
والمأمول، وان فشلت فلن يخسر شيئا ، فالشارع سيكون هو المكان ألمنتظر في النهاية على أي حال !.
-أستيقظ نادر باكرا على غير عادته ،فألقى نظرة سريعة على الصالة، حيث تجلس راقية كعادتها يوميا لتشرب قهوتها ، فتأكد انها لم تنزل من حجرتها بعد ،وكان هذا ما يتمناه !. عندئذ لف منشفته حول بطنه، وخرج يعدو الى الحمام المواجه تماما للأريكة التي تجلس عليها راقية !.
-نزلت راقية اخيرا لتجلس في ذات المكان الذي اعتادت الجلوس فيه يوميا لتشرب قهوتها. أما نادر فلما استشعر وجودها نشف جسمه بسرعة ،ولف المنشفة حول وسطه بشكل يسهل انزلاقها عند أي حركة ،وخرج يمشي بخطى متوجسة وأنفاس متسارعة، ملقي ببصره نحو الارض ،فلما استوى في مرمى بصر راقية ،رفع رأسه ،وانتفض كمن تفاجأ بوجودها ، فانزلقت المنشفة، فأستوى اما راقية عاريا كيوم ولدته امه !!.
-تسمر بصر راقية على منظر نادر ذاك للحظات ،وهو عار ،فسقط الفنجان من يدها ،ثم اهتزت كالملدوغ وهي تلوح ببصرها عنه صائحة به قائلة:
-استر نفسك يا ابن العاهرة !!...أستر نفسك ....!!!
التقط نادر منشفته وهرول مسرعا نحو حجرته. اغلق الباب وراح يلطم وجهه ويصيح قائلا:
-ماذا جنيت على نفسي؟...ماذا فعلت بنفسي؟،قضي علي !!..قضي علي !!. ثم خف يحزم حقيبته وهو يبكي ،فقد تيقن ان الشارع قد اصبح مستقرا له بعد فعلته تلك !. وراح يلعن نفسه ويلومها فقد قادته تلك الفكرة الشيطانية الى الهلاك والتشرد !.
-7-
-عاد ابو نادر من عمله مبكرا جدا هذا اليوم. ومازالت راقية في مجلسها ذاك يعلوها الذهول والشرود مما شاهدته من نادر اليوم !. فراح ينادي على نادر ،الذي خرج مهرولا ليلبي نداء والده ،والخوف يكاد يقتله فقد تيقن من هلاكه اليوم. فلا بد ان راقية قد اخبرت والده بما حصل منه ! . بيد ان ظنه قد خاب حين اخذ والده يخبره انه سيذهب الى القرية لإنهاء عمل هناك ،وانه سيعود ظهر اليوم التالي. وقد ناداه ليخبره ايضا ان لا يصدر منه ما يسيء بقول او فعل لراقية، وإلا هو يعرف ماذا سيكون العقاب وأشار بأصبعه الى الشارع !. كل ذلك ومازالت راقيه في شرودها ذاك لم تنبس ببنت شفه !.
-ها هو الثلث الاخير من الليل قد حل ،وما زال الارق يفترش جفني راقية ، فصورة نادر العارية لم تزل تحتل عينيها ومخيلتها ، وكم حاولت مرارا وتكرارا ان تدفع طيفها عنها،غير ان محاولاتها كلها قد بآت بالفشل الذريع ، فاشتدت وطأتها عليها وزادت من توترها وأرقها ، فحزمت عندئذ امرها وقررت ان تضع لكل ذلك حدا يريحها !.
-لفت راقية معطفها حول جسمها العاري، ونزلت تمشي بخطى متماسكة ،متوجة نحو حجرة نادر. طرقت الباب المفتوح طرقات خفيفة، وإذ لم تجد ردا من نادر فقد دفعت الباب بقدمها ودخلت !. ثم استلقت بجانبه .ثم همست في اذنه قائلة:
-انا اعلم انك مستيقظ، فقم لننه الأمر ،وسيحل عليك سلامي من هذه اللحظة !.
-انتهى الامر بينهما اخيرا، فانسحبت راقية الى حجرتها ،تعلو وجهها ابتسامة رضا لنصر رخيص مستحق !. اما نادر فقد غشت قلبه راحة ممزوجة بندم !. فراح يدعو الله المغفرة لهذا الاثم العظيم الذي اقترفه مرغما !.
-عند الظهيرة عاد ابو نادر الى المنزل، فراح ينادي راقية ونادر .واذ اجتمع الثلاثة .فقد اخذ ابو نادر يسأل راقية قائلا:
-8-
-اخبريني هل اساء لك نادر في غيابي او اغضبك في شيء ؟. فقط اخبريني وسأريك عقابي له ماذا سيكون !!. -فأجابته راقية عندئذ قائلة وهي تنظر الى نادر القابع خلف والده وهي تبتسم في خبث:
-بل على العكس فقد كان بارا بي ايما بر !. وكل ما اتمناه ان يستمر معي كما كان بالأمس، وسأضعه فوق رأسي !.
فاستدار والد نادر نحو نادر وقال والفرحة ترتسم فوق وجهه:
-الم اقل لك ان خالتك راقية لا تحمل لك في قلبها سوى الحب !!. ومن الآن فصاعدا لا اريد منك سوى ارضاءها والبر بها ، فرضاها عنك مقدما على رضائي عنك ، فكن لها كما تريد دوما، اهبك دوما ما تريد !.
-فهز نادر رأسه موافقا على ما قاله والده، وانسحب نحو حجرته دامعا وهو يتمتم قائلا:
-امرك يا والدي سأفعل ،سأفعل ،وليغفر الله لي ولك !.
*****************
-تمت-
ابريل 2015م
فتحي سالم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق