زمن القمباز بقلم علي الشافعي
ساق الله ايام القمباز والسهرة عالبيادر
وجدّي يلوِّح بالعكاز على نغمات السامر
القمباز ــ ايها السادة الافاضل ــ او الدماية , واحيانا يسمى الكِبر بكسر الكاف والباء او الروزة , هو لباس تقليدي للرجال في بلاد الشام ( فلسطين والاردن وسوريا ولبنان ) على عهد ابائنا واجدادنا , ومايزال بعض كبار السن خاصة في القرى يلبسونه , ويقال انه من زمن الكنعانيين والفينيقيين .
والقمباز رداء طويل يشبه الجلابية ضيق من عند الصدر ويتسع ابتداء من الخصر إلى القدمين مبطن من الداخل بقماش رقيق ناعم , مفتوح من أعلى إلى أسفل ، من الأمام مثل الروب , ويربط طرفه الايسر في داخل الطرف الايمن بقيطان ، ثم يُرد الطرف الايمن الظاهر على الجهة اليسار ويُربط بقيطان أيضا ويكون فوقه حزام من الجلد . وتختلف نوعية القماش الصيفي عن الشتوي , وكل منطقة ولها طرازها الخاص وتسميتها الخاصة , تماما مثل الدشداش الخليجي فالكويتية غير السعودية والقطرية غير الاماراتية او العمانية .
والقمباز او الدماية انواع منها : الدمايه العادية : من القطن أو الكتان وتلبس في البيت أو العمل , دماية الروزة ذات اللون الأصفر الفاتح : تصنع من قماش فاخر , والمربوطة برباط حول الخصر أي بحزام من نفس القماش ، وتلبس في الأعياد والمناسبات , دماية الأطلس : وهذه خاصة بالمدن والقرى الفلسطينية , وتصنع من قماش سميك مخطط يشكل طولي بالخطوط السوداء أو الزرقاء على أرضية بيضاء , لامع يسمى الأطلس او السرطلي , دماية الصوف الجوخ وهي لكبار رجالات البلد ( علية القوم ) كالشيوخ والمخاتير وكبار التجار .
السروال أو الشروال : ويصنع من قماش قطن البفت الأسود أو ألابيض، وهو واسع فضفاض وله رجلان ضيقتان و دكه من الخيط القوي حيث يشدها الرجل ليحزم بها اللباس حول وسطه . وعند العمل في الحقل أو أثناء الدبكة او المشي يتم رفع طرفي الرداء وضعهما تحت الحزام الذي يلبسه الرجل فيظهر الشروال الفضفاض ويسمى رفع الجوانب " تشكيل الدماية " لتسهيل الحركة , وعادة ما يلبس تحت الدماية قميص أبيض من القطن , و جبة قصيرة تلبس فوق القنباز ( جاكيت) كمّاها طويلان.
هذا هو ــ يا دام سعدكم ــ اللباس التقليدي , والذي كان يفرض على الرجل بمجرد ارتدائه ان يتصرف كرجل , حتى لا يهين شرف القمباز , وارتداؤه يعني انه وصل مرحلة الرجولة , وذلك في سن الرابعة عشرة تقريبا , فيصحبه ابوه الى مجالس الرجال , ليتعلم قيها فن الحديث وفن الاستماع وادأب المجالس , لأن المجالس كما يقال مدارس , فعليه ان يضع الكلمة في مكانها , ويحاسب على الجلسة او الضحكة .
كان القمباز يمثل شرف الرجل , وصدق تعاملاته مع الاخرين , وصدق وعوده وعهوده , ويمثل هيبته وسلطته على اهل بيته , اعالة وحماية وامنا . فالرجل رجل بكل معاني الكلمة والفرق شاسع بين الرجولة والذكورة , اما عن ماذا خسرنا عندما خلعنا القمباز ولبسنا القميص والبنطال سأقول لكم وامري الى الله , صلوا على النبي :
يعد لباس الامم التقليدي جزء من تراثها وتاريخها وهويتها وثقافتها , فعندما خلعنا اللباس التقليدي فخلعنا معه اللباس الحقيقي فبانت سوآتنا للعيان . فقدنا الهوية وتقبلنا كل جديد قصد به ان ننسى التراث والتاريخ والهوية . ومن ينسي التاريخ يمكن ان ينسى الجغرافيا .
زمن القمباز ــ ايها السادة الافاضل ــ كان للرجل كلمته وهيبته في البيت او المجلس , كلمة كحد السيف ووعده نافذ وتعامله صادق , لا يعرف النفاق ولا الغش والخداع ولا الكذب , يكفي ان يقال وعد رجال , او من هالشوارب .
كانت المرأة تهاب رجلها وتحبه فلا تخالف له امرا , ولا ترفع صوتها على صوته , كلمته نافذة وقوله فصل , تعرف حقه عليها فهو راعيها وابو عيالها وسندها وحامي حماها , الاطفال بوجوده يحاسبون على الضحكة والجلسة ان كانتا في غير محلهما , واليوم فقد الرجل هيبته في البيت , وعلى صوت المرأة على صوته وخالفت امره , وربما استعدت بنيها عليه , الذين هم بدورهم لم يعودوا يحملون الهيبة والاحترام الذي كنا نكنّه لإبائنا . ويخشون امهاتهم اكثر من خشيتهم آباءهم . وينظرون للاب على انه الممول او الصراف , وغالبا ما تقوم الام بهذا الدور , خاصة بعدما نزلت ونافسته في سوق العمل , فأصبحت النتيجة كما نسمع ونرى ؛ من خلافات اسرية ادت الى ارتفاع حالات الطلاق بشكل مذهل ومهدد للمجتمع . والذين لم تصل حالتهم للمحاكم لا يعني انهم سعداء .
زمن القمباز كان للرجل كلمته في السوق , ما كان الناس يتعاملون بالشيكات او الاوراق , وانما بالكلمة فقط , فهي كافية , ولا يتراجع عن وعد قطعه على نفسه ولو على رقبته , لا يخلف وعده ولا يخون عهده . اما اليوم : فالأمر متروك لتقدير جنابكم ــ دام سعدكم ــ فهل عادت الكلمة ووعد الشرف كافيان لإبرام الصفقات واتمام المعاملات . كم هم الرجال الذين يلتزمون بوعودهم ومواعيدهم , كم من الساعات تضيع هدرا وانت تنتظر شخصا لم يأت على موعده , كم رجل اخذ دينا وسدده في وقته , او التزم بامر فأوفي به .
هل عرفتم ــ يا دام عزكم ــ ماذا خسرنا عندما خلعنا القمباز , خسرنا كرامتنا خسرنا كلمتنا في بيوتنا , في اسواقنا ومجالسنا فما عادت المجالس مدارس , ولا عادت المدارس مدارس . لان من يتنازل عن لباسه وهو ارث ابائه يتنازل عن كل شيء . خلعنا القمباز من على اجسادنا فخلعنا معه هيبة الرجل في بيته ومجلسه وسوقه .
كان الرجل اذا تحدث بحديث لا يشك الحاضرون بصدقه , ولا يقبل هو ان يقال عنه انه كذاب . يحضرني قول ابي سفيان عندما استدعاه هرقل الشام ليساله عن محمد وقال له : اصدقني القول في هذا الرجل . فما كذب ابو سفيان بحرف (القصة مشهورة ) رغم انه لم يكن مسلما آنذاك , وقال : والله لا احب ان تتناقل العرب اني اكذب . واليوم كم رجل يصدق في المواقف امام السلطان , ولا يغمز طرف عدوه او حتى صديقه ان وجد في الغمز مصلحة .
كان الرجل مهاب الجانب منيع البيت لا يهان من دخله , ولا يعتدي على كرامة امراة . وهناك ايضا موقف سجله التاريخ لأشد خلق الله عداوة للرسول عليه السلام , انه ابو جهل عندما سئل ليلة الهجرة : لم تنتظر خروج محمد , ولا تدخل عليه وهو نائم في فراشه ؟ قال : والله لا تتحدث العرب ان ابا الحكم روّع بنات محمد . وسؤالي كم من البيوت اقتحمت في منتصف الليالي وروعت بناتها وحريمها . طبتم وطابت اوقاتكم .
شاعرة
السبت، 17 مارس 2018
زمن القمباز...بقلم/ علي الشافعي
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق